أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

385

شرح مقامات الحريري

المقامة الثلاثون وهي الصّوريّة حكى الحارث بن همّام ، قال : ارتحلت من مدينة المنصور ، إلى بلدة صور ؛ فلمّا حصلت بها ذا رفعة وخفض ، ومالك رفع وخفض ؛ تقت إلى مصر توقان السقيم إلى الأساة ، والكريم إلى المواساة ؛ فرفضت علائق الاستقامة ، ونفضت علائق الإقامة ، واعروريت ظهر ابن النّعامة ، وأجفلت نحوها إجفال النّعامة . فلمّا دخلتها بعد معاناة الأين ، ومداناة الحين ، كلف بها كلفت النّشوان بالاصطباح ، والحيران بتنفّس الصّباح . * * * [ أبو جعفر المنصور ] قوله : مدينة المنصور ، هي بغداد ، والمنصور هو أمير المؤمنين أبو جعفر بن محمد ابن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ، استخلف بعد أخيه السفاح ، وبويع له يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة . وهو ابن إحدى وأربعين سنة وعشرة أشهر ، وكان حاجّا وقت وفاة السفاح ، فعقد له البيعة عمّه موسى بن عليّ بن عبد اللّه بالأنبار ، وورد الخبر على المنصور في أربعة عشر يوما . وقد بشّر به النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ونظر إلى عمه العباس ، فقال : هذا عمي أبو الخلفاء الأربعين أجود قريش كفّا ، ومن ولده السّفاح والمنصور والمهدي . وقال المنصور : رأيت في المنام كأني في المسجد الحرام ، فنودي : أين عبد اللّه ؟ فقمت أنا عبد اللّه بن يحيى نستبق ، حتى وصلنا إلى الدرجة العليا ، فجلس هو وأخذ بيدي ، فأصعدت ، وأدخلت الكعبة ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر وعمر وبلال . قال . فأقعدني وأوصاني بأمّته ، عممني ، فكان كورها ثلاثا وعشرين كورا ، وقال : خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة . وقال المنصور : الخليفة لا يصلحه إلا التقوى ، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة ، والرعيّة لا يصلحها إلّا العدل ، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه .